خليل الصفدي
395
أعيان العصر وأعوان النصر
سيرضيك في أفعاله ، ومقاله * إذا طال في أوج العلا أو تطوّلا ترعف أقلام السّيادة كفّه * ويرعّف أعداء ويرعد ذبّلا ويستخدم البيض الرّقاق يراعه * إلى أن يرد الصّعب سهلا مذلّلا ويسعى إلى أبوابه السّعد صاغرا * ويأتي إليه وهو طفل تطفّلا يقبل الأرض وينهى ، أنه جلس بهذه البشرى على سرر السرور ، والتحف منها بحبر الحبور ، وملأ كفه بالدرر من هذه الأفراح ، وملأ طرفه بالبدور ، ونطقته هذه المسرات بالمحامد ، فارتجل وارتجز ، وأمكنته الفرصة من التهاني ، فانتهب وانتهز ، وقرن الهناء بالدعاء ، فابتهج وابتهل ، تخيّر ساعات الإجابة ، فانتقد وانتقل ، وكيف لا يبتهج المملوك بمخدوم تجدد ، ويتمسك بفضل تعدد ، ويسر بدوح تفرّع ، وإن كان أصله بالمزايا تفرّد ، وهو هذا إلا بيت تمد في العلياء أطنابه ، ترفع في : ( المتقارب ) وهذا هديّة ربّ العلا * فثق بهدايا هداياته وما أقول إلا أن مولانا ليث ، وقد أشبل ، وبحر زخر لجه ، حتى مد بجدول ، ومن حرمان المملوك أنه ما شافه السمع الكريم بالتهاني ، ولا فاز برصد هذا الهلال كيف يترقى إلى الإبدار على الدقائق والثواني ، ولا عاين لسلوك المحبين إليه طريقة ، ولا حضر لهذه الجوهرة النفيسة يوم عقيقة ، وما ضر الأيام لو كنت لجوهره عرضا أدنى ، أو لو ساعفت بالقرب ، فأكون حاضرا بالصورة ، إذ قد حضرت بالمعنى ، واللّه تعالى يمتّع عينه الكريمة بهذه القرة ، ويهبه أمثالها حتى يرى في كل ذرة من الزمان دره ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . فكتب هو الجواب عن ذلك : ( الطويل ) أتاني كتاب منك كالبدر يجتلى * فأصبحت أجلوه على سائر الملا حكى الرّوض أمس بالأزاهر ناضرا * أو العقد أضحى بالجمان مفصّلا يدير على سمع الأنام سلافة * من القول فاتت منك مسكرة الطّلا لو انّ أبا تمّام « 1 » أبصر حسنه * لما قال في عصر تقدّم أو خلا
--> ( 1 ) أبو تمام هو : حبيب بن أوس بن الحارث الطائي ، أبو تمام الشاعر ، الأديب ، أحد أمراء البيان ، ولد في جاسم سنة 188 ه ، من قرى حوران بسوريا ، ورحل إلى مصر واستقدمه المعتصم إلى بغداد ، فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق ، ثم ولى بريد الموصل ، وبقي فيه عامين ثم توفي في سنة 231 ه ، كان فصيحا حلو الكلام يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير